الفايسبوك الحزين والواتساب السعيد

الفايسبوك الحزين والواتساب السعيد

تعرفون جميعا أن الفرح والتعبير عنه بالابتسامة أو القهقهة يطيل العمر ويخفف من التجاعيد، بل هناك دراسات حديثة تصنف الشعوب عبر مستويات السعادة ورغد العيش، وبما أن السعادة تعتبر وباء سريع الإنتشار، تعمل بعض الشعوب على نشر تقافة السعادة والاحتفال بها عبر مختلف الوسائط الاجتماعية، لكن للاسف أن هناك فرق كبير في مستويات السعادة بين حسابي على الفايسبوك Facebook الذي يبدو حزين متوثر كأيبا إلا فيما ندر، وبين حسابي على الواتساب WhatsApp الذي في غالبه ينشر السعادة مع كل رنة برسالة جديدة.
الفايسبوك Facebook من أبرز شبكات التواصل الاجتماعي، التي انطلق العمل به منذ 4 فبراير 2004 بهذف خلق منصة للتواصل والتعارف وتقاسم اللحظات السعيدة بين الأصدقاء، لكنه حزين هذه الأيام – إن لم اجزم أنه حزين منذ 2010 – يشتكي من كثرة صور الضحايا والعنف ومن تقاسم عبارات التنديد والسخط العام، أبرز اصدقائي يتقاسمون مظاهر البؤس المجتمعي وصور الفقر والجهل والفساد ومظاهر ازمة القيم، منهم من يناشد السلطات للتدخل في قضية ما قد تكون هامشية ومعزولة، ومنهم من ينتقد العالم بدأ بحارس السيارة مرورا بشرطي المرور وصولا إلى نادل المقهى ومنه إلى المدير والوزير أو الوزيرة، وفي بعض لحظات الغضب ينتقد زعماء الدول الكبيرة وحتى الصغيرة التي لا حول لها ولا قوة ، لا يتقاسم اصدقائي الفايسبوكيين صباح الخير ولا جمعة مباركة ولا عيد سعيد ولا لحظات الفرح والنجاح، فقد الانتقاد فقط البؤس لحظات الاغتصاب الجماعي في حافلة أو حظيرة حيوانات … أخبار عن تأخر موعد قطار اليوم، صور لحادثة سير مميتة، طلبات التدخل والمساعدة لمريض ينتظر علاج في مستشفى عمومي بأيس، تصادف حملة لجمع تبرعات العيد لعائلة فقيرة، أو حملة للتضامن مع أحد شعوب العالم الذي يسكن بلد يقينا أنني لن ازورها يوما ولا اعرف مكانه في خريطة دائرية الشكل، او صفحة للتنديد بمشكلة تقب الأوزون مع المطالبة بمقاطعة منتوجات وخدمات قد لا تجد بديلا لها في السوق.
على عكس الواتساب WhatsApp ومنذ يناير 2009 وهو ينشر السعادة يعمم الفرح، فاصدقائي عبر حسابي في الواتساب يعبرون بكل حرية على أنهم سعداء يتبادلون باقات الورود والزهور الملونة كل صباح وكلما توفر ويفي جيد، يرسلون لي صباح الخير مع فنجان قهوة في حديقة مزركشة فوق طاولة خشبية في مكان ما بعيد جدا أو غير موجود أصلا إلا في مخيلة رسام الصورة ، ومنهم من يرسل لي دعاء السفر ودعاء يوم الاثنين ودعاء ليلة الجمعة و دعاء فصل الصيف، وبعض الأحاديث وسير العارفين بالله، رغم أن هذه الرسائل تنتهي دوما وأبدا بضرورة ارسلها لعشرة أشخاص آخرين، مع أن شيطاني يمنعني دائما من فعل ذلك. ومنهم سامحهم الله من يتقاسمون معي صور لفتيات جميلات ومقاطع فيديو مخجلة قليلا لكنها جميلة، رغم كونها تتطلب مهارة وسرعة في مسحها من ذاكرة الهاتف حتى لا تتحول لقضية رأي عام. وفي مجموعة أخرى أصادف أخبار وقصص النجاح لأناس طبعا لا أعرفهم وليس لي رغبة في معرفتهم ولا تهمني قصصهم لكن في وقت الفراغ في الحافلة أو أمام شبابيك الإدارة العمومية أثناء ساعات الانتظار الطويلة المدجرة تكون فرصة للتأمل في تلك القصص، عموما لا أصادف دعوة للنضال أو وقفة احتجاجية على وضع عام بأيس أو ضد مدير مغلوب على أمره عبر حسابي في الواتساب، غالب الصور والفيديوهات والحكايات والجمل تبدو سعيدة تجعلك مقبل على الحياة تخلق عندك شعورا جيدا مؤقت ومسروق من واقع الحزن العام.
لكن الغريب في كل هذا التفاوت بين حزن الفايسبوك وسعادة الواتساب، أن اصدقائي هم نفسهم في شبكات التواصل الاجتماعي، ينشرون الحزن والتعاسة عبر حسابهم في الفايسبوك، ويعممون الفرح والسعادة عبر حسابهم في الواتساب، المشكل ليس في اصدقائي الطيبين طبعا المشكل في الفايسبوك !

مواطن طناز

مقالات ذات صله